الفن التشكيلي: حين قاوم الرسم جدران الصمت

الرسم ليس مجرد خطوطٍ وألوانٍ على سطحٍ صامت، بل هو صرخة روحٍ تبحث عن معنى، هو اللغة الأولى التي نطق بها الإنسان حين عجز لسانه عن الكلام. منذ أن خطّ الإنسان الأول على جدران الكهوف ملامح حيوانٍ يطارده أو حلمٍ يراوده، كان يعرف في داخله أن هذا الفعل أكثر من لعبٍ بالرماد والفحم؛ كان طقسًا سحريًا لمواجهة المجهول، وجسرًا هشًّا بينه وبين العالم.
لكن المفارقة أن هذه اللغة العميقة التي وُلدت من حاجة الإنسان للبوح، واجهت عبر التاريخ حربًا لا هوادة فيها. حُوصرت، حُرمت، وشُكّك في جدواها. المجتمعات، في لحظات خوفها أو تصلبها، كانت تنظر للرسم كقوة خطرة، كنافذة تُفتح على ما لا يُراد له أن يُرى.
حين صار الرسم ذنبًا
في العصور الوسطى، سُجن الرسم في جدران الكنائس، حيث فُرضت عليه وظيفة واحدة: خدمة العقيدة. كل لوحة كانت محاكمة صامتة، وأي محاولة للتحرر كانت تُقابل بالريبة.
وفي فضاءات أخرى، وُضع قيدٌ أشدّ قسوة: تحريم الصورة. ومع ذلك، لم يمت الفن. ففي الحضارة الإسلامية، ازدهر التصوير في الكتب والمخطوطات، وبرزت أسماء مثل:
الواسطي: الذي زيّن مقامات الحريري برسوم نابضة بالحياة، مفعمة بالحركة والتفاصيل.
بهزاد الهيراتي: رائد المدرسة الفارسية في القرن الخامس عشر، الذي جعل من الورق عالَمًا يعجّ بالشخصيات والخيال.
المصورون في الأندلس: الذين حوّلوا الزخرفة والهندسة والخط إلى لغة بصرية موازية للرسم الواقعي، فأبدعوا في تحويل العمارة إلى لوحات حيّة.
هؤلاء الفنانون أثبتوا أن الروح المبدعة لا تُطفأ، بل تبحث عن طرق جديدة لتستمر، حتى وإن غاب عنها الشكل التقليدي للرسم.
النهضة: انتفاضة الألوان
ثم جاءت لحظة الانفجار في أوروبا. في عصر النهضة، قرر الفن أن يتحرر من عباءة الكهنوت. لم يعد الجسد عارًا، بل معجزة تستحق أن تُحتفى بها. لم تعد اللوحة موعظةً دينية فقط، بل سؤالًا فلسفيًا عن معنى الإنسان. من يد دافنشي ومايكل أنجلو خرج الرسم ليعلن: "أنا لست خادمًا لأحد، أنا سيد الأسئلة."
الرسم كسلاح ضد السلطة
حين ضاقت المجتمعات بالحرية، كان الرسم خنجرًا مغروسًا في خاصرتها. جاك لوي دافيد أشعل الثورة الفرنسية بريشته، وبيكاسو حوّل الألم الإسباني إلى أيقونة عالمية في غيرنيكا، لوحة لم تكن مجرد ألوان، بل صرخة جيلٍ بأكمله في وجه القصف والوحشية.
من الواقعية إلى الأحلام
ومع القرن العشرين، تحرر الرسم أكثر فأكثر. لم يعد أسير "الواقع"، بل صار يجرؤ على كسره. من الانطباعية التي التقطت لحظة هاربة، إلى التكعيبية التي أعادت تشكيل العالم، إلى السريالية التي غاصت في كوابيس الحلم — كان الرسم يثبت مرةً أخرى أنه ليس انعكاسًا للواقع، بل اختراعًا لواقعٍ جديد.
وفي العالم العربي الحديث، برزت أسماء مثل محمود سعيد في مصر، الذي جمع بين الروح الشرقية والمدارس الأوروبية، وشفيق عبود في لبنان الذي قاد التجريد العربي بروح صوفية، وضياء العزاوي في العراق الذي جعل لوحاته مرآة لذاكرة الحروب والمجازر.
عصر الشاشات: الخلود الرقمي
اليوم، في زمن الذكاء الاصطناعي والشاشات، تحوّل الرسم إلى كائنٍ بلا حدود. لم يعد يحتاج إلى قماش أو ريشة، بل يكفي ومضة من شاشة لتولد عوالم كاملة. ومع ذلك، يظل جوهره واحدًا: البحث عن الحرية.
خلاصة القول
الفن التشكيلي، والرسم في قلبه، هو تاريخ صراع الإنسان مع قيوده. كلما حُورب، عاد أشد جمالًا. كلما ضُيّق عليه، وجد طريقًا آخر ليطلّ من نافذة جديدة.
الرسم هو ذاكرة الروح، هو ما يبقى حين تسقط الممالك وتذوي العقائد. وحين نحدق في لوحة ما، لسنا فقط أمام ألوان وخطوط، بل أمام تاريخ طويل من
المقاومة والخلود
عمر حسين
أكتب لأفهم، وأفهم لأتحرر


