في دواخل السلوك: تأمل عميق في كيف يتكوّن التغيير ولماذا يصعب علينا ترويض طبائعنا
التغيير ليس مجرد سلسلة من الأفعال المتتابعة تُنَفّذ. هو تحويل تدريجي في بنية الداخل: في الخرائط التي تُوجّه انتباهنا، في الحكاية التي نرويها لأنفسنا عن من نكون، وفي الطريقة التي تكافئنا بها اللحظة. عندما نفشل في التغيير لا يكون الخلل بالضرورة في الإرادة أو في الإرادة وحدها؛ بل في فهمنا الخافت للعوامل الخفية التي تبني سلوكنا كل يوم.
الحلقة السلوكية: الإشارة، الحاجة، التنفيذ، المكافأة
لقد صار سلوكنا نتيجة لقاءات متكررة بين أربعة عناصر لا تَلمحها العين دائمًا: الإشارة التي تفتعل الانتباه، الحاجة التي تُثير الرغبة، التنفيذ الذي يملأ الفراغ، والمكافأة التي تُرسّخ التكرار. هذه الحلقة ليست مجرد آلية؛ هي نسيج من معانٍ نفسية واحتياجات جسدية واجتماعية. غالبًا ما تكون المكافأة التي نبحث عنها ليست قطعة الشوكولاتة أو لحظة التصفح، بل إحساس مؤقت بالطمأنينة، أو هروب من ضيق، أو تأكيد لهويتنا أمام أنفسنا والآخرين. حين نفهم المكافأة الحقيقية، يتضح أن نَمط السلوك لم يُبْنَ على عاطفة منعزلة بل على محاولة مستمرة لتلبية حاجة أكبر.
اللاوعي: المهندس الصامت
اللاوعي يلعب دوره كمهندسٍ صامت: يُصنّع خِطابًا داخليًا، يُخزّن تجارب، ويُعيد تشغيل ردودٍ تلقائية عند المثيرات. غالبًا ما نخطئ في تعظيم دور العقل الواعي على حساب اللاواعي. اللاواعي لا يميز بين "مُجدٍ" و"غير مُجدي" وفق معيارٍ قيمي؛ بل وفق معيار التكرار والسرعة والوضوح. ما تُكرره البيئة بانتظام سيتحول عاجلًا أم آجلًا إلى نسقٍ لاواعي، حتى لو كان مضادًا لهويتك المثالية. لذا، الحديث عن "قوة الإرادة" وحدها يشبه الحديث عن القبطان دون ذكر المحيط والعاصفة والسفينة.
الهوية والقصص الخفية
هناك طبقة أخرى أعمق: الهوية والقصص. الشخصيات التي نُكوّنها عن أنفسنا — من نكون، وكيف يجب أن نتصرف، وماهو المكان الذي نُحب أن نحتله — تفرض حدودًا دقيقة على ما نراه ممكنًا. عندما تقول لنفسك "أنا لا أستطيع التركيز أكثر من ساعة"، أنت لا تصف واقعًا محايدًا بقدر ما تشرع سجنًا من الكلمات. القصص القديمة التي لا ننتبه إليها تعمل كقوانين غير معلنة توجه سلوكنا. ولذلك، التغيير الحقيقي ليس في تعديل فعل هنا أو هناك، بل في إعادة صياغة الحكاية التي ترويها عن ذاتك: من مجرد ممارسة خارجية إلى هوية متغيرة تأخذ بصِفتها مركزًا.
العاطفة: محرك السلوك المخفي
العاطفة أيضاً مركبة لا يمكن اختزالها. السلوك البشري كثيرًا ما يكون آلية تنظيم عاطفي: حين يكون القلب متوترًا، تُصبح اليد تبحث عن شيء يهدئها. حين يكون العقل مُجهدًا، تميل العين إلى ما يمنحها مكافأة فورية. فهم هذه العمليات لا يبرر السلوك المضرّ بقدر ما يضعه في سياق إنساني طبيعي: طرقنا القديمة في التعامل مع التوتر قد لا تكون الأمثل اليوم، لكنها كانت حلولًا سريعة لمشكلة قديمة. في كثير من الأحيان، ما نحتاجه ليس قمعًا للعاطفة، بل استيعابًا لها وفهمًا لطريقة عملها.
صدام الزمنين: بين المتعة الفورية والثمار البعيدة
لا يمكن الحديث عن سلوك بلا اعتبار للصدام بين الزمنين: زمن الرغبة الفورية وزمن الفائدة الطويلة. العقل الإنساني مبرمج، بدرجات متفاوتة، ليُفضّل النتائج القريبة على النتائج البعيدة. هذه ميزة تطورية — لكنها عدو لتطلعاتنا الحديثة التي تتطلب تأجيل المتعة. فهم هذا الصراع يضعف الإحساس بالذنب ويحوّله إلى ملاحظة محايدة: الرغبة ليست خطأ، إنها إشارة إلى أن ثمة مكافأة قريبة تُغوي النظام العصبي. المطلوب هو أن نُدرك تلك الإشارة ونعطيها معنى مختلفًا، أو نمنحها بديلًا ذي نفس الثِقل النفسي إن أمكن.
البيئة والمرآة الاجتماعية
البيئة، في هذا المشهد، ليست خلفية جامدة؛ هي المؤلف الذي يُعيد كتابة الفصل دون استئذان. المساحات التي نَعيش فيها، الأوقات التي نَخترعها، الأسماء التي تُذكرنا — كلها تكتب احتمالات السلوك. بالمقابل، المجتمع والمرآة الاجتماعية لا يلعبان دورًا بسيطًا: ما يفعلُه الآخرون يُشرّع للذات سلوكًا أو يُمنعه. نحن نُعيد إنتاج أنماطٍ نتعلمها من الناس الذين نُحيط بأنفسنا بهم، بل ونستخدم سلوكهم كدليل على ما هو مقبول أو مرغوب.
سؤال الهوية: من تريد أن تكون؟
وفي القلب من كل ذلك، ينبض سؤال الهوية: ما نوع الإنسان الذي تريد أن تكون؟ هذا السؤال ليس نصيحة عاطفية بل مفتاح فلسفي. حين يصبح السلوك امتدادًا لهوية مُحَدّدة، يفقد جانبه العابر ويتحوّل إلى عادة قوامها معنى. التغيير الذي يبقى لا يَطلب منّا إجهادًا دائمًا بقدر ما يطلب توافقًا بين ما نؤمن به وما نفعله. الكُلفة النفسية للتصرفات المتنافرة مع الهوية أكبر من كُلفة أي سلوك بحد ذاته.
زمن التغيير: التراكم ونقطة التحول
أخيرًا، هناك زمنٌ خفي للتغيير: لا يظهر التقدّم دائمًا في نتائج فورية. كثيرًا ما يختبئ التراكم تحت سطح الأيام، حتى يندفع فجأة كقوسٍ مطلق — لحظة تُسمّى عادةً "نقطة التحول". ذلك أن المخاطر النفسية للتغيير أكبر عندما نُقَيّد النجاح بمؤشرات خارجية فورية. التغيير البطيء، المتقطع، والمُعاد تقييمه، هو غالبًا الأكثر صدقًا.
التعاطف مع الذات: المرآة الحنونة
التعاطف مع الذات لا يقل أهمية عن الفهم النظري. إدانة النفس بعنفٍ تعمل كوقودٍ للانفصال والانسحاب. بينما الاعتراف بالضعف والفضول بشأنه يفتحان نافذة على سبب سلوكنا. من هذا المكان، يبدأ الفارق الحقيقي: عندما يصبح فهمك لسلوكك ليس وسيلة للعار بل مرآة علمية وحنونة تُظهِر أين يكمن الامتداد بين ماضيك وحاضرِك.
الخاتمة: التغيير كحوار داخلي
التغيير، إذًا، ليس نضالًا ضد الذات فحسب؛ إنه حوار حضاري داخلي: بين القديم والجديد، بين الحاجة الفورية والرؤية البعيدة، بين القاعدة اللاواعية والهوية الواعية. إدراك بنى هذا الحوار يمنحك حرية أقل عُنفًا، وفعالية أكثر رحمة. لأن الإنسان الذي يعي ميلاته يلتمس طرقًا ليجعلها أدوات بدلاً من أن تكون سجانًا، ولأن القوة الحقيقية ليست في قمع الرغبة بل في تحويلها إلى طاقة تخدم قصة أعمق عن من تريد أن تكون.
عمر حسين
أكتب لأفهم، وأفهم لأتحرر




شكرا ، جيد جدا