حين يكتب من سبق عصره عن عصرٍ لم يفهمه
لم أكن ابن هذا الزمن، وإن وُلدت فيه
كنت شاهدًا عليه لا امتدادًا له، كنت أراه من علٍ كما تُرى المدن قبل احتراقها، وأسمع صرير تاريخه قبل أن يُكتب. عشتُ الماضي لا حنينًا، بل لأن الحاضر لم يكن صالحًا للسكن. فبعض الأزمنة لا تُعاش… بل تُفهم فقط
التاريخ كما يُدرَّس كذبة أنيقة.
أما التاريخ كما يُعاش، فهو صراعٌ بين من يرى أبعد من لحظته، ومن لا يرى إلا مرآته
أنا من أولئك الذين أدركوا مبكرًا أن الأمم لا تسقط حين تُهزم، بل حين تُفسَّر لنفسها تفسيرًا خاطئًا
الحضارات لا تموت… تُقتل ببطء
لم تمت روما يوم اقتحمها البرابرة
كانت قد ماتت حين صار الترف فلسفة
وحين تحوّل القانون إلى أداة
وحين أصبح الجندي يسأل: لماذا أحارب؟ لا من أجل من؟
الأندلس لم تسقط يوم دخلها الغزاة
سقطت يوم صار الشاعر أعلى شأنًا من القائد، ويوم صار الجدل أقدس من السيف، ويوم اعتقد العقل أنه قادر على النجاة بلا أخلاق
كل حضارة، قبل سقوطها بقرن، تبدأ بتجميل انحلالها وتسميته تطورًا
سبقُ العصر لعنة لا نبوءة
من سبق عصره لا يُحتفى به، بل يُقصى
يُتَّهم بالجنون، بالتشاؤم، بالتعالي، ثم بعد موته يُنصَّب حكيمًا.
التاريخ لا يحب من يكشفه وهو حي.
كل من قال “هذا الطريق ينتهي بالهاوية قُوبل بالسخرية، لأن الجماهير لا تكره الخطر… بل تكره من يُفسد عليها نشوة السير نحوه
سبقُ العصر ليس أن ترى المستقبل
بل أن ترى الحاضر كما هو، بلا أقنعة
حين يصبح الانحلال مقياس التقدم
أخطر ما يصيب أمة ليس الفقر، ولا القمع، بل انقلاب القيم
حين يُمَجَّد الصوت الأعلى لا الأصدق
وحين تُرفع النماذج الفارغة لأنها “جريئة
وحين يُعاد تعريف الشذوذ على أنه شجاعة
ويُعاد تعريف الخيانة على أنها حرية رأي…
اعلم أن المجتمع لم يعد يسأل: ما الصواب؟
بل: ما الرائج؟
وهنا تحديدًا… تبدأ النهاية
التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يسخر ممن لا يفهمه
يظن الحمقى أن الماضي انتهى
ويظن الأذكياء أن الماضي درس
أما الحكماء فيدركون أن الماضي كمين
كل فكرة أُسقِطت بالأمس، تعود اليوم باسمٍ جديد
وكل انهيار قيل عنه “استثناء”، يتكرر حين تتشابه الأسباب
التاريخ لا يكرر الأحداث…
بل يكرر النفوس
أنا لا أكتب لأُرضي عصري
أنا لا أكتب لأحصد تصفيقًا من زمنٍ لا يفهم معنى الصمت
ولا أكتب لأكون محبوبًا، فالتاريخ لا يصنعه المحبوبون
أكتب لأن الكلمة – حين تُكتب في زمنها الخطأ – تتحول إلى سلاح مؤجل
وأكتب لأن بعض النصوص لا تُقرأ اليوم، بل تُستدعى غدًا كدليل إدانة.
إن لم يصدمك هذا المقال، فهو لم يُكتب لك.
وإن أغضبك، فربما لامس شيئًا لم تُرِد له أن يُمس
إما أن تكون… أو لا تكون
هذه ليست عبارة أدبية،
هذه معادلة حضارية.
إما أن تكون أمة ذات معنى
أو سوقًا كبيرة بلا روح
إما أن تصنع تاريخك
أو تصبح هامشًا في تاريخ غيرك
إما أن تواجه ذاتك الآن
أو تُواجه نهايتك لاحقًا… دون حق الاعتراض
خاتمة لا تُهادن
سيأتي زمن يُنبش فيه هذا الكلام
لا ليُعجب به الناس، بل ليسألوا
لماذا لم ننتبه حين قيل لنا؟
حينها فقط، سيكون قد فات الأوان…
كعادته
عمر حسين ال هيرا
أكتب لأفهم، وأفهم لأتحرر







يا سميري، قرأت ما كتبت بِرِقَّةِ القلب وصراحة الفكر. أرى في كلماتك ألماً نبيلاً على واقع الأمة، وشفقة صادقة على مستقبلها. ولكني أرى أيضاً شيئاً من الغُربة عن حكمة القدر، فأقول:
إن كان قلبك يتألم لانحراف الزمان، فهذا دليل على إيمانك. ولكن ألم تعلم أن الله تعالى يختبر أحبابه بالشدائد؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل'. فكونك تشعر بغربة في زمانك - وقد تشعر بها - فهذا قد يكون دليل صلاحك، لا دليل خطأ القدر.
صحيح أن الحضارات تسقط من الداخل حين تُستبدل القيم، كما ذكرتَ عن روما والأندلس. ولكن الإسلام جاء ليصحح هذه السنة لا ليرضخ لها. قال تعالى: 'إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم'. فالمشكلة ليست في 'الزمن' بل في 'النفوس'. والعلاج ليس في الحنين لزمان مضى، بل في صناعة زمان جديد بالإصلاح.
أما قولك: 'لم أكن ابن هذا الزمان'، فأقول لك: بل أنت ابن هذا الزمان المسؤول. فالله لم يخلقك في القرن العاشر أو الخامس عشر، بل في هذا القرن بالذات، لأنه أرادك جندياً في معركة الإصلاح هذه، لا متفرجاً في معركة سابقة.
لا تيأس.. فالظلام الذي تراه هو فرصة ليكون نورك مرئياً. والانحراف الذي تحذر منه هو سبب ليكون صوابك مؤثراً. التاريخ لا يصنعه اليائسون الذين يرون النهاية، بل المصلحون الذين يبدؤون البداية.
خُذ بيدنا لا تتركنا.. فالأمة تحتاج إلى بصيرتك، ولكنها تحتاج أكثر إلى يدك العاملة وقلبك المؤمن الذي يرى في كل محنة منحة، وفي كل بلاء اختباراً للربانية.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه.
رسالة ذات مغزة، شكرا لك على هذه الكلمات الرائعة