حين تتحوّل المجتمعات إلى نسخ: لماذا صار الانحلال أخلاقًا، ولماذا تُمجّد التفاهة؟
لم تُفقد المجتمعات قيمها في لحظة واحدة.
لم تُقَلَّد الناس بعضهم بعضًا برغبة واعية في السطحية.
بل حدث شيءٌ أكثر خبثاً: استبدلنا المعنى بالعرض، والضمير بالمشاهدة، والالتزام بالصدمة — خطوة بخطوة، لا شعورياً ولا إرادياً، حتى أصبح الانحلال معيارَ تقدّمٍ مزوّر.
هذا المقال يسأل ثم يجيب، يفتح أبواب النفس ويغوص في تاريخ الأرواح.
اقرأه كأنك تقف أمام مرآة مسحوبة من قعر زمنٍ مكسور.
أولاً: من أين جاء التشابه؟ لماذا كل شيء نسخة؟
السؤال: لماذا تقلّد الناس بعضهم بعضًا حتى صار العالم نسخة من نفسه؟
الإجابة: لأن وجود الاختلاف صار مكلفاً — اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً.
في حضارة تحكمها السرعة والربح والانتباه، يصبح الاختلاف مخاطرة: ينتزع منك هذا الانتباه ويُحرمك من التداول، من الترويج، من الدخل. بالتالي، يحتفي النظام بالنسخ لأن النسخ يُستهلك بسهولة: نسخةٌ من فكرة، نسخة من غضب، نسخة من موقف. وهكذا تُقام حضارةٌ على إعادة إنتاج موجاتٍ سطحية بدل إنتاج أفكارٍ عميقة.
نفسيّاً، النسخ يوفر أمان القطيع: أن تكون نسخة أقل خطورة من أن تكون فرداً وحيداً بفكرٍ معزول. تاريخياً، هذا يحدث حين تتحول البنى الرمزية (الأدب، الفلسفة، الدين، الفن) من مُغرِية للتفكير إلى آلاتٍ مصممة لالتقاط الانتباه — آلات تعطي الجواب القصير بدل السؤال الطويل.
ثانياً: لماذا صار الانحلال أخلاقًا للتقدّم؟
السؤال: كيف صار كسر المحرمات دليلاً على التقدّم؟
الإجابة: لأننا أسقطنا مرجعية الأخلاق عن جسدها — وجعلناها أسلوباً للتفاخر بدل مرجعية للتعايش.
الحداثة، في جانب منها، كانت وعداً بتحرير الإنسان من قيود عقيمة. لكن ما حدث هو تحويل التحرر إلى استعراض: التحرر بلا نقد، التمرد بلا مشروع. الانحلال هنا ليس سقوطاً أخلاقياً بقدر ما هو إعلان عن نهاية سؤالٍ عميق: لم يعد الناس يسألون لماذا نكسر، بل كم هو صادم كسرنا.
من زاوية هيجلية خاطفة: التقدم تحوّل إلى فسحة للاحتفال بالرفض، والرفض صارت له قيمة بحد ذاته. من زاوية نيتشهوية محرفة: تمجد التفجر على حساب البناء، وتُسَوَّق الجرأة كسلعة. لذلك أصبح الانحلال تاجاً للتميز الزائف.
ثالثاً: التحليل النفسي — لماذا يُمجّد الجمهور التفاهة ويجري وراءها؟
السؤال: ما الذي يحدث داخل النفس البشرية عندما تهوى الجماهير الأصوات النكرة؟
الإجابة من (فرويد): النفوس الحديثة مُنهكة من العبء الداخلي — ضمائرنا مرهقة بالصراع، والذاكرة تضخمت بالجراح. لذا نبحث عن ترفيهٍ سريع يطلق الشرر دون مطالبة بالعمل النفسي. التفاهة تمنحك ذلك: تخلّصك مؤقتاً من السؤال، وتغريك بأن تكون (مُتحرِّرًا) لأنها لا تفرض عليك أن تتحمل تبعات وعيك.
(narcissistic supply): ثم هناك مفهوم التزويد النرجسي
الأصوات التافهة تُغذي نرجسيتنا الجماعية لأنها تسمح لنا أن نكون مشاهِدين لا فاعلين، وأن نُعطي موافقة سريعة من دون مواجهة تَكامل الذات. وعندما يتبع القطيع تافهاً، فهو لا يتبع الفكر، بل يتبع الإغراء بالراحة: راحتنا المعرفية، الراحة من المسؤولية، الراحة من التأمل.
رابعاً: تاريخ الفضاء العام — كيف تحوّل الساحة العامة إلى حلبة استعراض؟
السؤال: ما الذي تغيّر في بنية الخطاب العام حتى تترسخ التفاهة؟
الإجابة: لقد انهارت المؤسسات الوسطية —المنابر، المسجد، الكنيسة، الجامعة، الصحافة المتوازنة — أو تحوّلت إلى أدوات سوقية؛ وظهر بدلاً منها فضاء عمومي تجاري: سوق للصراعات، لصيحات الغضب، للفضائح. في هذا السوق، لا تُبيع الأفكار بقدر ما تُباع الانفعالات.
التاريخ يعلمنا أن الساحة العامة كانت مرةً ميداناً للحوار البطيء. الآن صار الميدان ملهىً لنبضات مؤقتة: ضجيج اليوم يمحو عمق الأمس. والنتيجة؟ جمهور يعلّق قيمته على ما يتم عرضه وليس على ما يُسهم في فهم العالم.
خامساً: اقتصاد الانتباه — لماذا يشتهر التافه سريعًا؟
السؤال: لماذا تُقَلِّب الآلاتُ (الخوارزميات، السوق، الإعلام) شهوة الشهرة نحو التفاهة؟
الإجابة: لأن الخوارزميات لا تبحث عن قيمة؛ تبحث عن قابلية الانتشار. يمكن لأغبى فعلٍ أن يولّد تفاعلًا أعلى من أعمق محاضرة. الوصول السريع يُترجم إلى عملات: مشاهدات، إعلانات، أرباح. فتصبح التفاهة مربحة، وتندفع كي تستهلك، وتغذي دائرةً تغتال الأصل.
ولذلك يسمو (الصاخب) على (المدروس)، لأن الأول يُعطي مادة حية للتداول العاطفي، بينما الثاني يطلب منك التريث — وهو السلوك الغائب اليوم.
سادساً: السؤال الأخلاقي الذي لا نجرؤ على طرحه
السؤال: هل نحن ضحايا أم شركاء في هذا الانحطاط؟
الإجابة القاسية: نحن كلاهما.
نحن ضحية لمنصاتٍ صنعتنا كتجربة قابلة للاستهلاك، وشريك لأننا نشتري التافه بمجرد أن يُعرض علينا. نريد الشجاعة الفكریة ولكننا نخاف المشقة، نريد الحرية لكن نحب الانتماء السهل. لذا نُصرِّح بمعانٍ عظيمة ثم نختزلها إلى ردود فعلٍ رخيصة.
سابعاً: كيف نستعيد المعنى؟ — أسطر قابلة للتحقيق
السؤال: ماذا يفعل الفرد والمجتمع ليكسر دائرة النسخ والتفاهة؟
الإجابة المختصرة: ثلاث خطوات عنيفة وواقعية:
إبطاء الإيقاع: إعادة قيمة الصبر، منح وقت للتفكير قبل المشاركة.
إعادة بناء المؤسسات الوسطى: إعلام مسؤول، تعليم يعلّم السؤال لا الإجابة السريعة، فضاءات عامة تبني حواراً.
التربية على الضمير العملي: تعليم أن الحرية مسؤولية، وأن التمرد بلا مشروع هو تهديم.
هذه خطوات بنّاءة لكنها ثقيلة — وهذا السبب في أن معظم الناس لا يختارونها. إنهم يفضلون السهولة والمكافأة الفورية، حتى لو كانت كاذبة.
الخاتمة: الصدمة التي تقطع النفس
هنا يقف التاريخ ويخاطبك بصوتٍ قطعي:
لم يُصبح الانحلال معيار تقدم لأن الناس فجّروا الأخلاق من الخارج. بل لأنهم تخلّوا عن مهمة أن يكبروا أخلاقياً؛ بطريقةٍ ما، اختاروا الطفولة الجماعية بدل الرجولة الأخلاقية.
تخيّل للحظة أن كل ما تبقى من صدقٍ فيك — ذاك الصوت الذي يرفض أن يصفق للتافه — يصفّق بصمت داخل غرفة خالية. الآن اسأل نفسك بصراحة: هل ستقف مع هذا الصوت؟ أم ستُطفئه لأن الصمت مؤلم؟
الصدمة الحقيقية ليست في أن التفاهة صارت تُشَرَّف، بل في أن أغلبنا صفق لها.
الصدمة الأكبر أن من يُبقون على ضميرهم يصبحون هم الغريبون، حتى في بيوتهم.
وهنا النهاية التي تُقلِق:
لو اختفى فجأة كل بوقٍ تافه، هل ستبقى لدينا شجاعة أن نملأ الفراغ بمعنى؟ أم سنفعل ما فعلناه دائماً: نملؤه بأصواتٍ أخرى — أصواتٍ أقل خبرةً، أكثر صخبًا، لكن ليست بالضرورة أكثر حكمة؟
إذا أجبت بأننا سنملأه بحكمة — فأنت منقذ محتمل.
أما إن أجبت بأننا سنملأه بصخبٍ جديد، فاعلم أن الحضارة لم تنهار من الخارج. لقد انهارت لأننا تصالحنا مع التافه وسميناه تحضراً.
هذا الخبر ليس بلاغة فقط، إنه تورتة مروّعة: نأكل من بقايا وجدنا، نحتفل بأنفسنا على أنها تحرر. وفي الصباح التالي، نستيقظ لنجد أننا لم نتحرر — بل صار القبح ذا معنى.
عمر حسين
أكتب لأفهم، وأفهم لأتحرر






مقالك كالدواء على الجرح لانو فعلا الانحلال أصبح جزءا من مجتمعنا المعتل أخلاقيا و نفسيا و خاصة فكريا
شكرا على المقال